العيني

244

عمدة القاري

عن عبيد وعن بسر كليهما ، وتارة يقتصر على أحدهما . وأخطأ من محمد بن سنان حيث حذف الواو العاطفة . فافهم . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره . أخرجه البخاري أيضاً في فضل أبي بكر رضي ا تعالى عنه ، عن عبد ا بن محمد . وأخرجه مسلم في الفضائل . ذكر معناه وإعرابه : قوله : ( عنده ) أي ، عند ا وهو : الآخرة . قوله : ( ما يبكي هذا الشيخ ) من الإبكاء ، وكلمة : ما ، استفهامية . قوله : ( إن يكن ا خير ) ، كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني : ( إن يكن عبد خير ) ، فإعراب الأولى : هو : أن : إن ، بالكسر شرط ، ويكن ، فعل الشرط وهو مجزوم ، ولكنه لما اتصل بلفظ : ا ، كسر لأن الأصل في الساكن إذا حرك حرك بالكسر . قال الكرماني : الجزاء محذوف يدل عليه السياق . قلت : لا حاجة إلى هذا ، بل الجزاء قوله : ( فاختار ما عند ا ) ، قوله : ( خير ) على صيغة المعلوم من : التخيير ، وعبداً ، مفعوله و : الضمير في : فاختار ، يرجع إلى : العبد ، و : ما عند ا ، في محل النصب مفعوله . وإعراب الرواية الثانية : هو أن : إن أيضاً كلمة شرط ، و : يكن ، مجزوم به . وقوله : عبد ، مبتدأ وخبره هو قوله : مقدماً ، وقوله : خير ، على صيغة المجهول في محل الرفع لأنه صفة لعبد ، والجزاء هو قوله : ( فاختار ) . وقال السفاقسي : ويصح أن تكون الهمزة ، يعني همزة : أن ، مفتوحة بأن يكون منصوباً : بأن ، فيكون المعنى ما يبكيه لأجل أن يكون ا خير عبداً . وقال بعضهم : وجوز ابن التين فتحها ، يعني : فتح : أن ، على أنها تعليلية ، وفي نظر . قلت : في نظره نظر ، لأن التعليل هنا لأجل فراقه لا على كونه خيّر عبداً بين الدنيا وبين ما عنده . قوله : ( هو العبد ) ، أي : المخير : قوله : ( وكان أبو بكر أعلمنا ) حيث فهم أنه رسول ا ، وإنما قال عليه السلام : عبداً ، على سبيل الإبهام ليظهر فهم أهل المعرفة ونباهة أصحاب الحذق ، وكان ذلك في مرض موته كما يجيء في حديث ابن عباس بعده ، إن شاء ا تعالى . ولما كان أبو بكر أعلم الصحابة ، إذ لم ينكر أحد منهم ممن حضر حين قال أبو سعيد : وكان أبو بكر أعلمنا ، اختصه الشارع بالخصوصية العظمى . وقال : ( إن أمنَّ الناس عليَّ . . . ) إلى آخره فظهر أن للصديق من الفضائل والحقوق ما لا يشاركه في ذلك مخلوق . قال العلماء : في ممعنى هذا الكلام ، منهم الخطابي : أي أكثرهم جوداً وسماحة لنا بنفسه وماله ، وليس هو من المن الذي هو الاعتداد بالصنيعة ، لأنه مبطل للثواب ، لأن المنة ولرسوله في قبول ذلك . قال الخطابي : والمن في كلام العرب الإحسان إلى من يكافئه . قال تعالى : * ( هذا عطاؤنا فامنن ) * ( ص : 93 ) وقال : * ( ولا تمنن ) * ( المدثر : 6 ) أي : لا تعط لتأخذ من المكافأة أكثر ما أعطيت . وقال القرطبي : وزن : أمن ، أفعل ، من : المنة ، أي الامتنان أي : أكثر منة . ومعناه : أن أبا بكر له من الحقوق ما لو كان لغيره لا متن بها ، وذلك لأنه بادر بالتصديق ونفقة الأموال ، وبالملازمة والمصاحبة إلى غير ذلك بانشراح صدر ورسوخ علم بأن ا ورسوله لهما المنة في ذلك والفضل ، لكن رسول ا ، بجميل أخلاقه وكريم أعراقه اعترف بذل عملاً بشكر المنعم ، ليس كما قال الأنصار . وفي ( جامع الترمذي ) ، من حديث أبي هريرة مرفوعاً : ( ما لأحد عندنا يد إلاَّ كافأنا ما خلا أبا بكر فإن له عندنا يداً يكافئه ا بها يوم القيامة ) . قوله : ( ولو كنت متخذاً خليلاً ) ، الاتخاذ : افتعال من الأخذ ، واتخذ يتعدى إلى مفعول واحد ، ويتعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف الجر ، فيكون بمعنى : اختار واصطفى ، وهنا سكت عن أحد مفعوليه وهو الذي دخل عليه حرف الجر ، فكأنه قال : لو كنت متخذاً من الناس خليلاً لاتخذت منهم أبا بكر . والخليل : المخال ، وهو الذي يخالك أي : يوافقك في خلالك ، أو يسايرك في طريقتك ، من الخل وهو الطريق في الرمل ، أو يسد خللك كما تسد خلله ، أو يداخلك خلال منازلك . وقيل : صل الخلة الانقطاع ، فخليل ا المنقطع إليه . وقال ابن فورك : الخلة صفاء المودة بتخلل الأسرار . وقيل : الخليل من لا يتسع قلبه لغير خليله . وقال عياض : أصل الخلة الافتقار والانقطاع ، فخليل ا أي : المنقطع إليه لقصره حاجته عليه . وقيل : الخلة الاختصاص بأصل الاصطفاء ، وسمي إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، خليل ا لأنه وإلى فيه وعادى فيه . وقيل : سمي به لأنه تخلل بخلال حسنة وأخلاق كريمة ، وخلة ا تعالى له نصره وجعله ءماماً لمن بعده . وزعم السفاقسي أنه كان اتخذ خليلاً من الملائكة . ولهذا قال : ( لو كنت متخذاً خليلاً من أمتي ) . انتهى يردة قوله : ( ولكن صاحبكم خليل الرحمن ) ، وفي رواية : ( لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي ) ، ومعنىء الحديث : أن أبا بكر متأهل لأن يتخذه خليلاً لولا المانع المذكور ، وهو أنه امتلأ قلبه بما تخلله من معرفة ا تعالى ومحبته ومراقبته حتى كأنها مزجت